الطبراني
54
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
اللّه تعالى أثنى على إبراهيم عليه السّلام في آية أخرى بقوله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 1 » والسليم : الّذي لا شكّ فيه وفي سلامته من كلّ عيب . وقوله عزّ وجلّ : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ؛ معناه : فلمّا رأى القمر طالعا ؛ قالَ هذا رَبِّي ؛ يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ الطّلوع ، وقوله تعالى : فَلَمَّا أَفَلَ أي فلما غاب ، قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ؛ أي لئن لم يرشدني ربي ويثبّتني على الطريق المستقيم ، لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) عن الهدي . قوله عزّ وجلّ : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ أي فلمّا رأى الشمس طالعة ؛ قال : هذا الطالع ربي وهذا النور ربي ، فَلَمَّا أَفَلَتْ ؛ أي غابت الشمس ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) باللّه من الأصنام والأوثان والشّمس والقمر والكواكب . قالوا : فمن تعبد أنت يا إبراهيم ؟ قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؛ أي إنّي أخلصت ديني وعبادتي وجعلت قصدي للّذي ابتدأ خلق السّموات والأرض ، حَنِيفاً ؛ أي مائلا من الأديان الباطلة إلى دين الحقّ ميلا لا رجوع فيه ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) ؛ أي لست على دينكم أيها المشركون . قوله عزّ وجلّ : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ ؛ وذلك أنّ قوم إبراهيم خاصموه في مخالفته إياهم في دينهم وخوّفوه بآلهتهم ، وقالوا : أما تخاف آلهتنا وأنت تشتمها أن تخبلك وتفسدك ؟ ! وقالوا له : إنّ موضع أهل كذا قد تركوا عبادة الأصنام فأمحنوا وقحطوا ، وأهل موضع كذا أحسنوا عبادة الأصنام فرزقوا السّعة والخصب . فأجابهم إبراهيم عليه السّلام : ( أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ ) أي أتخاصموني في توحيد اللّه ودينه ، وقد نصرني اللّه وعرّفني دينه وتوحيده بما نصب لي من الدلائل .
--> ( 1 ) الصافات / 84 .